محمد حسين الحسيني الجلالي
45
دراسه حول القرآن الكريم
وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [ البقرة : 160 ] . فهما آيتان من القرآن مع أن الجملة لا تتم إلا بعد الاستثناء . إن تحديد الآيات حسب الترقيم المتداول اليوم ليس على اعتبار تمامية المعنى واستقلالية الجملة مثال ذلك قوله تعالى : كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [ البقرة : 219 ] فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ [ البقرة : 220 ] مع أن الآية فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ليست جملة تامة ولولا تصور أن هذا تلاعب بالنص القرآني ، لكان الأفضل إلحاقها بما قبلها . وروي أن مواضع الآيات في السور كانت بإشراف النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وكان صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول : « ضعوا آية كذا في مكان كذا » . قال ابن عطية ( ت 543 ) : « وذكر أن ترتيب الآيات في السور ، ووضع البسملة في الأوائل ، هو من النبي عليه السّلام ، ولما لم يأمر بذلك في أول براءة تركت بلا بسملة هذا آخر ما قيل في براءة ، وذلك مستقصى في موضعه موفى إن شاء اللّه تعالى . وظاهر الآثار أن السبع الطوال ، والحواميم ، والمفصل كان مرتبا في زمن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وكان في السور ما لم يرتب ، فذاك هو الذي رتب وقت الكتب [ المقدمتان ، 276 ] . وقال السيوطي ( ت 911 ه ) : « ان ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك ، أما الإجماع فنقله غير واحد ، منهم : الزركشي في البرهان وأبو جعفر بن الزبير في مناسباته وعبارته ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين انتهى وسيأتي من نصوص العلماء ما يدل عليه . وأما النصوص فمنها حديث زيد السابق : « كنا عند النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نؤلف القرآن من الرقاع » [ الاتقان 1 ، 69 ] . وعن عثمان بن أبي العاص قال : « كنت جالسا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذ شخص ببصره ثم صوّبه ثم قال : أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى [ النحل : 90 ] . وفي روايات أهل البيت عليهم السّلام ما يوافق رأي السيوطي فقد روى الصدوق ( ت 381 ه ) في أن سمرة بن جندب وعمران بن حصين تذاكرا فحدث سمرة أنه حفظ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم سكتتين سكتة إذا كبّر وسكتة إذا فرغ من قراءته عند ركوعه ، ثم إن قتادة ذكر السكتة الأخيرة إذا فرغ من قراءة غير المغضوب عليهم ولا الضالين : أي حفظ ذلك سمرة وأنكره عليه عمران بن حصين ، قال : فكتبا في ذلك إلى أبي بن كعب وكان في كتابه إليهما أوفى ردّه عليهما أن سمرة قد حفظ » [ البحار 85 ، 27 ] .